غير مصنف

عذرا ً ، لكن ليس كل الأحلام تتحقق .

dream03

 

إنها ليست أداة هدم ،  بل أداة إيقاظ  ، أن أخبرك بأن ليس كل أمنياتك سترى الواقع .

لكن اقرأ حتى النهاية .

أعترف أنني من جيل _ وهو الثمانينات وما بعدها _ نشأنا على طفرة نوعية في مجال التنمية و رقة الخطاب و ليونة أساليب التربية . بإمكانك ان تلج أي مكتبة لتجد ألف كتاب و كتاب يعدك بتحقيق أحلامك و تسهيل الوفرة و الرزق في حياتك ( هذا لو كنت تقرأ الكتب ) . أما في مجال المرئيات و الصوتيات فهناك الألوف المؤلفه من المدربين و المرشدين و ممن يدّعون ذلك  ، يروجون أن حلمك آخيرا ً سيخرج للنور ، كحمامة خرجت بأعجوبه من قبعة ساحر و ستلمسها آخيراً بيديك ، وذلك بمجرد أن تستمع لهم و تطبق آرائهم و نصائحهم .

لكن هل هذا صحيح فعلا ً ؟ ولماذا إذن يظل الكثير منا في حالة تخبط و ضياع ؟ بينما ينجو القليل  الباقيين و يجدون طريقهم الى ما يبتغونه ؟

ولعل أسوأ ما يمكن أن تراه في هذه الظاهره ، هو أن ( باب النجَّار بذاته مخلّع ) و أعني أن المدربين أنفسهم وكتّاب هذه الكتب يفتقرون للنجاح الذي يروجون له أو الثراء الذي يعدون به وكما قال عبد الحليم حافظ في أغنيته ( بوصف للناس الجنة و انا بالنار ) !

أين يكمن الخطأ إذن ؟

dream13

 

من وجهة نظر متواضعة ،و كقارئة نهمه في مواضيع التنمية و تحقيق الأحلام و تطوير الحياة ،  أرى أن مسألة تحقيق الأحلام مسألة تراكمية ، ومهارة لا تتقن في يوم وليلة ، ولم ولن يحقق لك كتاب واحد أو محاضره واحده كل ما ترجوه . هذا من جانب ، أما من الجانب الآخر من الموضوع ، هو أن أحلام المرء نفسها قد تكون معطوبة و لا تصلح له ولا لمرحلته الزمنية .

لو شرحت الجانب الأول وهو المسألة التراكمية ، فأنا أعني أن المرء الذي يصبو لحلم ( أو مجموعة أحلام ) يحتاج أن يكون على الخط الصحيح من الرؤية و التركيز على فكرة النجاح و أساليب النجاح و المرور بمئات من (تجارب الصح و الخطأ)لأكثر من نصف أحلامه تقريبا ً، ليصل الى مايريده  في النصف الآخر (و لعله كذلك ) وهي قد تكون صيغة نصف صحيحة للفكرة أو ربما صيغة مبالغة . لأن لكل انسان سرعة مختلفه و تطور مختلف في سرعة تحقق الأحلام ، فآحيانا ً يقع الانسان على تقنية نجاح ترفع مستواه في يوم وليله ، مقارنة مع شخص صال و جال سنين في كتب و محاضرات التنمية و النجاح بلا شيء يُذكر . آيضا ً مسألة التطبيق و الالتزام تلعب الدور الأكبر و الأول في عملية خلق التراكمية اللازمة لتحقيق الأحلام ، و ذلك مقارنة مع قراءة مقال أو كتاب ثم النوم على جنبك الأيمن حالما ً .

هل يوجد استثناء ؟ طبعا ً . وهناك من نجح بلا أي خطة و لا تراكمات تجاربية للنجاح والفشل . وهذا مرده لشيئين : اما أنه وُلد في بيئة نجاح ، أعطته الصيغة الصحيحة فوفرت عليه نصف الطريق ، أو أن المسألة هي برمتها ( حظ ٌ) محض  . لكن النجاح بلا تخطيط  و أعني بضربات الحظ في الغالب ( وحسب الكثير من الدراسات ) يدمر توازن الإنسان مالم يتنبه لذلك . وكم رأينا و سمعنا بمن كسب الملايين في يوم وليله ليعود بعد سنه لأسوأ من وضعه القديم . أو ذلك الرجل الذي نال مركزا ً مرموقا ً بلا تدرج علمي أو على  الأقل نفسي ليهوي بعدها لساحات الفشل أو حتى المرض . اذن ولو كنت انساناً تطمح للتوازن النفسي و السلامة العقليه ، احرص على أن تنال نجاحك لا أن تجعل نجاحك ينال منك .

O9IY1V0

الجانب الآخر من مسألة تحقيق الأحلام ( و أكرر أنها هنا حسب وجهة نظري ) هي أن أحلام المرء نفسها قد تكون هي السبب الأول في فشله ،سأسرد أدناه قائمة ببعض الأحلام أو الأمنيات التي وجدت أن المرء يصنع حيالها مقاومة لا ارادية ، بمعنى أنه يريدها في الظاهر لكن في الباطن هو ينفر منها و يقاومها و لا يريدها لأسباب يجهلها أو يتجاهلها . من هذه الأحلام هي :

  1. هذا حلمي منذ طفولتي ، الجميع يعرف ذلك :

حقا ً ؟ و ماذا يعني هذا ؟ يحدث آحيانا أن تلتصق فينا أحلام بسبب رغبات أعلنّا عنها في الطفولة ، لكن هذا لا يعني أن الرغبة تظل مشتعلة حتى هذا اليوم . فالحلم قابل للتبدل و للتبلور و للتطور تبعا ً لظرف الإنسان و تقلباته . لذلك يجدر بالشخص أن يراجع حقا ً تلك المسائل التي علقت فيه منذ الطفولة و يتساءل إن كان لا يزال يريدها حقا ً في عالمه أم أنها مجرد شهوات وفترت .

2. الجميع يسعى لهذا ، و أنا كذلك :

ولماذا تسعى أنت له ؟ وهل هو يناسبك ؟ . أطرح مثالا ً وهو التدرج النمطي الذي نعرفه في المجتمع وهو : دراسة ، وظيفة ، زواج ، أولاد . لكن من قال أنه يجب على الجميع أن يفعل ذلك و بالترتيب الصحيح ؟ . في الواقع هذا النمظ يخلق ضغطا ً هائل على المرء ، كونه يُصارع الزمن ليحقق هذا الترتيب و بالتوقيت المناسب . راجع شعورك اتجاه أحلامك النمطيه التي ورثتها من المجتمع . فقد تجد آحيانا ً أنك تريد أن تعمل آولا ُ ثم تدرس ،  أو تفتح مشروعا ً شخصيا ً عوضا عن الوظيفة ، أو حتى أن تتزوجين ( بالنسبة للمرأه ) دون أن تتوظفين .

3 .هوايتي هي حلمي وبالتالي هي مشروعي :

لكن ليس بالضرورة أن يحدث ذلك . نعم ، كم هو جميل و مربح لحياتنا الشخصية و العملية أن تكون أعمالنا مطابقة لهوايتنا . لكن ليس كل هواية يجب أن تتبلور لحلم ثم لعمل . بل يحدث آحيانا أن تنقلب الأمور إلى أسوأ إذا أجبرنا هوايتنا المحببه _التي نرنو لها في ساعات الفراغ _ أن تتحول إلى مشروع و مال و أرقام و تسويق … الخ . اذا كانت هوايتك تخفف ضغط حياتك فاحرص على الأقل أن لا تحولها إلى ضغط هي آيضا ً مالم تكن لك القدرة على ادارة ذلك . ببساطة اسأل نفسك و قلبك و مشاعرك حيال ما تريده حقا ً .

4 .اللاواقعية :

أتفهم أن الحلم لا يكون حلما ً مالم يخرج من صندوق الواقع اليومي المعتاد . لكن ليس مناسبا ً بالضرورة للجميع  أن ( يشطح إن صح التعبير ) بعيدا ً عن الواقع. وخصوصا ً فيما يخص سرعة كسب المال و الشهره . وهو ما نجده متكرر كثيرا ً هذه الايام ، الكل يريد الكسب السريع أو الشهره السريعه ، لكن السؤال من سيصمد أكثر في هذا الصراع ؟ و السؤال الأهم : لم في الأصل  تقحم نفسك فيه ؟ وهنا نعود لمسألة التراكمية المهمة التي تجعل حلم المرء منسجما مع واقعه الذي يخلقه يوما ً بعد يوم  . عوضا ً عن جعل الواقع ينسجم قسرا ً مع حلم يرقص في الخيال . مرة اخرى اسأل نفسك : هل تفضل أن تبني حلمك طوبة ً طوبة ؟ أم أنك تهوى القفز السريع ؟ . و كلا الخيارين صحيح !

5.حلمي يُفرح الآخرين و يسعدهم :

لكن ماذا عنك أنت ؟ وإلى متى ستظل تسعى للآخرين ؟ . و يحدث هذا كثيرا ً ضمن ضغوط الوالدين أو القبيلة ليصبح ابنهم متفوق أو طبيب أو متزوج أو لديه الكثير من الأولاد . و قد يجد المرء المُغيّب نفسه ضمن دوامه يلهث من أجل سعادة الآخرين و الأسوأ من ذلك أن يتظاهر بالسعادة و يظن أنه حقق حلمه الشخصي ، أما هو للأسف مجرد ألعوبة في أيدي الآخرين . سؤالك لنفسك هنا : هل حلمك يُفرحك حقا ً أم يُفرح شخصا ً آخر ؟

6 .حلم محدود بالزمن :

وهذه الفكرة تتناسب مع عاشقي الأحلام القفزية . فهم يستغلون الفرص المتاحة هذه الأيام ليبتكروا حلما ً لأنفسهم ثم ما يلبثوا أن يتناسونه بمجرد أن تنتهي تلك الفرصة  . و بالطبع ليس خطأً استغلال الفرص لكن الخطأ هو أن تحد حلمك فقط بهذه الفرصة وهو ما يجعلك لا تحقق حلما ً على الإطلاق ، بل تقفز لاهثا ً من فرصة لأخرى دون رؤية واضحة لما تريده حقا ً من ذلك القفز   . مثال :  تلك المنتديات التي ازدهرت على شبكة الانترنت في زمن ٍما ، والتي أدخلت لأصحابها خير وفير من الاعلانات و تجارة الأعضاء ، يصبح من الخطأ أن تظل متعلقه بأسلوب المنتديات القديم في ترويج نفسها أو أسوأ من ذلك أن يموت هذا الحلم مع تلك الحقبة .بل يجدر أن تطور تلك المنتديات استراتيجياتها لتتوائم مع مواقع التواصل الاجتماعي و لتتوائم بالتحديد مع حلمها الأول الذي من أجله كانت المنتديات  .

 

7 . مجرد مال :

وهذا البند ينسجم  أكثر مع الموظفين  ، الذين كان حلمهم نيل وظيفة ( أي وظيفه ! ) لنيل الاستقرار المالي و بالتالي النفسي ( مؤقتا ً ) . لكن عندما يكون هذا الموظف يكره عمله و كل ما يحيط به فهو حتما ً يُعرض نفسه للموت البطيء بسبب حلم لم يعد يتناسب معه . لا يُنصح آبدا ً بترك وظيفه طبعا ً دون تأمين نفسك آولا ً ، و ليس بالضرورة أن تتركها فعلا ً . لكن فتش عن شغفك مرة أخرى ، احيي حياتك بالإبداع و العطاء الذي تحبه حقا ً و افعل من اجله ما استطعت من قبيل أن يكون عمل مؤقت آخر أو مجرد هواية .

 

هذا كل ما لديَّ الآن بخصوص فكرة تحقق الأحلام الرائجة هذه الأيام . و كل ما هو مكتوب قابل للتبدل و التغيّر في يوم ٍ ما ، و ربما هو غدا ً .

و أختم مقالي بإقتباس للكاتبة لويز هاي من كتابها (تستطيع إنشاء حياة استثنائية ) : (نعم ، يريد العديد من الناس اليوم نجاحاً سريعا ً ، ولكن عندما نكون على المسار الروحاني و نتجاوب مع ما تقدمه لنا الحياة ، فأنا أعتقد أن أقوى عمل نصنعه يحدث بالتدريج و عبر الوقت . و على الرغم من أننا لا ندرك تقريبا ً أنه يحدث ، ولكن عندما نعود يوما ً إلى الوراء و نفكر فحتما ً سنقول : يا إلهي ، انظر الى كل ذلك ! )

شكرا ً لقراءتك .

 

 

3 آراء على “عذرا ً ، لكن ليس كل الأحلام تتحقق .

اترك رد