يوميات

اليوم ُ الأول

wallpaper2you_556191

ممرُ أصفرُ مكتظ ، في يوم ٍ صيفي حار .

نساء ُ يرتدين ملابس رسمية ، و أُخر بعباءات ٍ سود ، و أفواج متفرقة من الأطفال .

لا تزال ذكرى ذاك اليوم طازجة ، و نابضة بالألوان ، بالرغم من أن مشاعري تَحير حول تمييز هذا اليوم ، أكان حزينا ً حقا ً ؟ أم هو مصبوغ ُ بالبلادة و الحياد ، الذي يغلب على كثير من مواقف الأطفال الأولى ؟

هو اليوم الأول لي في( الروضة ) ،و اليوم الأول لأختي في (التمهيدي ) ، وهو ما يُعرف آيضا بيوم ( الإنفصال الكبير ) عن الأسرة ، عن الأمن الدافئ، عن الروتين المُعتاد، و البدء بكسر الحدود و الإتصال بالناس فالعالم .

من المثير أن إنفصالي عن والدتي ماكان مؤلما ً الى ذاك الحد ، مقارنة بالفجيعة التي أحدثتها أختي وهي تحتضن أمي في نواح ٍ أليم و انا أنظر اليها لا أرنو إلى شيء ، سوى المراقبة . و لا عجب ، فقد كانت أختي _ وهي تكبرني بسنة ونصف _ هي كل ما أهتم لأمره آنذاك ، و هي ما دامت هنا ، فكل شيء بالنسبة لي على ما يرام .

كنت أرتدي آنذاك فستانا ً أصفر ( يميل للبرتقالي ) ، تنورته مطبّعة بالورد الصيفي المبهج ، أعتقد أنه كان اختيارا ً متفائلا ً نسبيا ً لبداية مشوار سيتمد ل 18 سنة و ربما أكثر .

مدرستي الأولى مكان ٌ مهيب ، لا يمكن الحكم عليه من النظرة الأولى ، لقد تم اقتيادنا نحو ممرٌ طويل _ أو بدا كذلك على حجمي الصغير  آنذاك _ ينتهي بصالة كبيرة تكدّس فيها الأطفال ، وامتزجت فيها أصواتهم بين صريخ ٍ و لعب ٍ و بكاء . جلسنا هناك ( أنا و اختي ) بعد أن تركتنا أمي ، ننتظر شارة البداية و انا أرقب أختي بفستاني الأصفر المشع ، تبكي بجانبي ، لا شيء يضاهي في قلبها فراق أُمنا ، و أنا لا شيء سيضاهي في قلبي فراقها هي .

مرَّت لحظات ساكنة حتى أندلعت شرارة الخوف ، فبدأت أبكي ، لما وعيت اخيرا لعملية الانفصال التي وقعت علينا ، حيث أُخذوا اختي إلى صف و أنا سُحبت مجبرة إلى صفٍ آخر .

تختلط الذكرى بعدها ، ضمن دموعي التي شوهت الرؤيا ، فلا أجد في ذاكرتي أي وجه ٍ من وجوه  أطفال الصف ،لكني أذكر هيئة معلمة رؤوم ، و أذكر جلوسي مع مجموعة الأطفال نتناول وجبات الإفطار . أتذكر طعم كعكة الشوكولاته ( وهي غالبا ً من ماركة أمريكانا )التي ظل ابي يزودنا بها يوميا طوال سنين مرحلة الابتدائي ، و أتذكر أيضا رائحة وحيدة مميزة لهذا اليوم ، كانت رائحة حناء مصبوغة في يدي ( أظن أن المدارس بدأت مباشرة بعد العيد ) ،لذلك كانت الرائحة لازالت نفاثة في رقعة يدي الصغيرة، و أنا جالسة هناك أتناول الكعك و أشم الحناء و لا شيء آخر .

آخيرا ً ، تتردد صدى الأنشودة الأولى الموشومة في ذاكرتي من هذا اليوم حيث (المس ناديا) ترددها بحماس دب َّ معه الدفْ في قلبي ، ضمن جوقة الأطفال الذي يكررون الانشودة خلفها ، وهو ما جعلني أنسى اختي و أمي و كل ما يخص بيتنا مؤقتا ، كنا نغني :

( , Baby , baby, don`t cry . LOOK AT ME , Where your eyes-

يا صغيري ، لا تبكي ، انظر الي …. )

و أنا أنظر اليها و يشرق من أمامي عالم جديد .



هذا المقال مكتوب بمناسبة موضوع شهر اكتوبر المقترح ضمن فعالية (عصفور النافذة ) في حساب ( نافذة المدونات ) : عن الذكرى

حساب نافذة المدونات في تويتر لمن أراد الانضمام للمجموعة و الاستمتاع بالفعاليات المطروحة :

https://twitter.com/bloggerswindow?lang=ar

اترك رد